السيد هادي الخسروشاهي
9
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي )
ويهديهم ، كما أنّهم بحاجة ماسة إلى من يعرفهم للعالم ، ويكشف عن مظلوميتهم ، فألّف أول كتبه حول تاريخ هذا البلد المسلم فأسماه « تتمة البيان في تاريخ الأفغان » . لقد كانت أفغانستان - آنذاك - ميداناً لدسائس الإنجليز ، ومحل صراعات الامراء المختلفين ، الذين شحنت صدورهم البغضاء والكراهية - التي يذكي نارها الإنجليز - لاخوانهم وأبناء وطنهم . لذا ليس غريباً أن نلاحظ السيد في صفحات كتابه المذكور يسخر من هذه الأوضاع ، ويؤكد تحامله على المستعمر الإنجليزي الذي لاهم له إلّا زرع الفرقة والبغضاء في قلوب المسلمين ، على قاعدة « فرّق تسد » ، وسخريته من حبّ الإنجليز للدسائس والمؤامرات وكأنها هوايتهم المفضلة ، كهوايتهم لحب الكلاب كما هو مشهور عنهم ! وحينما كان السيد يتجول في شوارع « كابل » وأزقّتها يصغي بحزن إلى سكانها المسلمين الذين لم ينعموا بالطمأنينة ولا بالأمان في وسط بلدهم ، ممّا كان يتسبب له الألم والحزن ، ثم ما يلبث ان يستذكر ما يخبره بعض الأفغان من أنه لا يمكن التظاهر للمطالبة بحقوقنا المشروعة ، ولا الحركة بحرية في بلدنا ، ولو حملنا عصا عدّونا مسلحين ! ! إنه الأسلوب الأكثر قسوة في العالم أن يؤسر المرء في بلده ، ويمنع من التجول في ربوعه وكأنّه أجنبي غريب ! لقد كشف الكتاب عن مظلومية شعب مسلم ، كسائر الشعوب المظلومية ، يرزح تحت نير الاستعمار ، وضرورة انقاذه من براثن طغيان نمطي لا يفهم لغة إلّا لغة السلاح والقوة . ولاشك أنّ هذه الفترة التي قضاها السيد في هذا البلد قد ركزت فيه روح الثورةعلى الواقع الفاسد ، وعزّزت فيه روح البحث عن العلاجات اللازمة لانقاذ الأمة من هذه الفوضى ، بل وتعمقت فيه لدرجة أن صارت جزءاً من حياته . وعلى إثر احداث سياسية ألمت بالبلاد اضطر السيد إلى مغادرتها نحو الهند ، ولما كان هذا البلد يرزح تحت نير الاحتلال الإنجليزي ، وكانوا يحتفظون للسيد بملف خاص مدرج فيه كل نشاطاته في أفغانستان ، فقد واجه جملة ضغوطات وتهديدات مما حدى به إلى المهاجرة ، وهذه المرة إلى القاهرة ، حيث كانت تموج يومها بالاحداث والزوابع بين جهتين : إحداهما تريد حقوقها المشروعة من الحرية والعدل ، والأخرى ويمثلها الجهاز الحاكم ( الخديوي ) الذي طالما كان يحلم بالإمبراطورية والسلطة المطلقة !